ابن كثير
52
البداية والنهاية
والباب مجاف عليه ، والناس في صلاة الجمعة ، وهو ينتظر أن يخرج صاحب الزمان من سرداب سامرا - يعني محمد بن الحسن العسكري - ليميل بسيفه في الناس نصرة للمهدي . أبو غالب بن كمنونة اليهودي الكاتب ، كان يزور على خط ابن مقلة من قوة خطه ، توفي لعنه الله بمطمورة واسط ، ذكره ابن الساعي : في تاريخه . ثم دخلت سنة ثنتين وستمائة فيها وقعت حرب عظيمة بين شهاب الدين محمد بن سام الغوري ، صاحب غزنة ، وبين بني بوكر ( 1 ) أصحاب الجبل الجودي ، وكانوا قد ارتدوا عن الاسلام فقاتلهم وكسرهم وغنم منهم شيئا كثيرا لا يعد ولا يوصف ، فاتبعه بعضهم حتى قتله غيلة في ليلة مستهل شعبان منها بعد العشاء ، وكان رحمه الله من أجود الملوك سيرة وأعقلهم وأثبتهم في الحرب ، ولما قتل كان في صحبته فخر الدين الرازي ، وكان يجلس للوعظ بحضرة الملك ويعظه ، وكان السلطان يبكي حين يقول في آخر مجلسه يا سلطان سلطانك لا يبقى ، ولا يبقى الرازي أيضا وإن مردنا جميعا إلى الله ، وحين قتل السلطان اتهم الرازي بعض الخاصكية بقتله ، فخاف من ذلك والتجأ إلى الوزير مؤيد الملك بن خواجا ، فسيره إلى حيث يأمن وتملك غزنة بعده أحد مماليكه تاج الدر ( 2 ) ، وجرت بعد ذلك خطوب يطول ذكرها ، قد استقصاها ابن الأثير وابن الساعي . وفيها أغارت الكرج على بلاد المسلمين فوصلوا إلى أخلاط فقتلوا وسبوا وقاتلهم المقاتلة والعامة . وفيها سار صاحب إربل مظفر الدين كوكري ( 3 ) وصحبته صاحب مراغة لقتال ملك أذربيجان ، وهو أبو بكر بن البهلول ، وذلك لنكوله عن قتال الكرج وإقباله على السكر ليلا ونهارا ، فلم يقدروا عليه ، ثم إنه تزوج في هذه السنة بنت ملك الكرج ، فانكف شرهم عنه . قال ابن الأثير : وكان كما يقال : أغمد سيفه وسل أيره . وفيها استوزر الخليفة نصير الدين ناصر بن مهدي ناصر العلوي الحسني وخلع عليه بالوزارة وضربت الطبول بين يديه وعلى بابه في أوقات الصلوات . وفيها أغار صاحب بلاد الأرمن وهو ابن لاون على بلاد حلب فقتل وسبى ونهب ، فخرج إليه الملك الظاهر غازي بن الناصر فهرب ابن لاون بين يديه ، فهدم الظاهر قلعة
--> ( 1 ) في الكامل وتاريخ أبي الفداء : كوكر . ( 2 ) في ابن الأثير : تاج الدين الدز . وفي تاريخ أبي الفداء : تاج الدين يلدز . ( 3 ) في تاريخ ابن الأثير : كوكبري .